الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

489

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

موقع هذه الآية مثل موقع مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ البقرة : 245 ] الآية لأنّه لما دعاهم إلى بذل نفوسهم للقتال في سبيل اللّه فقال : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 244 ] شفّعه بالدعوة إلى بذل المال في الجهاد بقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] على طريقة قوله : وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الأنفال : 72 ] ، وكانت هذه الآية في قوة التذييل لآية مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأنّ صيغة هذه الآية أظهر في إرادة عموم الإنفاق المطلوب في الإسلام ، فالمراد بالإنفاق هنا ما هو أعم من الإنفاق في سبيل اللّه ، ولذلك حذف المفعول والمتعلق لقصد الانتقال إلى الأمر بالصدقات الواجبة وغيرها ، وستجيء آيات في تفصيل ذلك . وقوله : مِمَّا رَزَقْناكُمْ حث على الإنفاق واستحقاق فيه . وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ حث آخر لأنه يذكر بأن هنالك وقتا تنتهي الأعمال إليه ويتعذّر الاستدراك فيه ، واليوم هو يوم القيامة ، وانتفاء البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذّر التدارك للفائت ، لأن المرء يحصل ما يعوزه بطرق هي المعاوضة المعبر عنها بالبيع ، والارتفاق من الغير وذلك بسبب الخلة ، أو بسبب توسط الواسطة إلى من ليس بخليل . والخلة - بضم الخاء - المودة والصحبة ، ويجوز كسر الخاء ولم يقرأ به أحد ، وتطلق الخلة بالضم على الصديق تسمية بالمصدر فيستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره قال الحماسي : ألا أبلغا خلّتي راشدا * وصنوي قديما إذا ما اتصل وقال كعب : أكرم بها خلة ، البيت . فيجوز أن يراد هنا بالخلة المودة ، ونفي المودة في ذلك لحصول أثرها وهو الدّفع عن الخليل كقوله تعالى : وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [ لقمان : 33 ] ، ويجوز أن يكون نفي الخليل كناية عن نفي لازمه وهو النفع كقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [ الشعراء : 88 ] ، قال كعب بن زهير : وقال كل خليل كنت آمله * لا ألهينّك إني عنك مشغول وقرأ الجمهور لا بَيْعٌ فِيهِ - وما بعده - بالرفع لأنّ المراد بالبيع والخلة والشفاعة